العيني
95
عمدة القاري
06 ( ( بابُ صِيَامِ البِيضِ ثَلاثَ عَشَرَةَ وَأرْبَعَ عَشَرَةَ وخَمْسَ عَشَرَةَ ) ) أي : هذا باب في بيان فضل صيام أيام البيض ، وهي الأيام التي لياليهن مقمرات لا ظلمة فيها ، وهي الثلاثة المذكورة : ليلة القدر وما قبلها وما بعدها والبيض ، بكسر الباء جمع أبيض أضيف إليها الأيام تقديره : أيام الليالي البيض . وقيل : المراد بالبيض : الليالي ، وهي التي يكون القمر فيها من أول الليل إلى آخره ، حتى قال الجواليقي : من قال الأيام البيض فجعل البيض صفة الأيام فقد أخطأ . قال بعضهم : فيه نظر لأن اليوم الكامل هو النهار بليلته ، وليس في الدهر يوم أبيض كله إلاَّ هذه الأيام ، لأن ليلها أبيض ونهارها أبيض ، فصح قول : الأيام البيض على الوصف . انتهى . قلت : هذا كلام واهٍ ، وتصرف غير موجه ، لأن قوله : لأن اليوم الكامل هو النهار بليلته غير صحيح ، لأن اليوم الكامل في اللغة عبارة عن طلوع الشمس إلى غروبها ، وفي الشرع عن طلوع الفجر الصادق ، وليس لليلة دخل في حد النهار . قوله : ( ونهارها أبيض ) يقتضي أن بياض نهار الأيام البيض من بياض الليلة وليس كذلك ، لأن بياض الأيام كلها بالذات وأيام الشهر كلها بيض ، فسقط قوله : وليس في الشهر يوم أبيض كله إلاَّ هذه الأيام ، وهل يقال ليوم من أيام الشهر غير أيام البيض : هذا يوم بياضه غير كامل ، أو يقال : هذا كله ليس بأبيض ، أو يقال : بعضه أبيض ؟ فبطل قوله ، فصح قول الأيام البيض على الوصف ، والقول ما قاله الجواليقي : * إذا قالت حذام فصدقوها * ثم سبب التسمية بأيام البيض ما روي عن ابن عباس أنه قال : إنما سميت بأيام البيض لأن آدم ، عليه الصلاة والسلام ، لما أهبط إلى الأرض أحرقته الشمس فاسودَّ . فأوحى الله تعالى إليه أن صم أيام البيض ، فصام أول يوم فأبيضَّ ثلث جسده ، فلما صام اليوم الثاني ابيضَّ ثلثا جسده ، فلما صام اليوم الثالث ابيضَّ جسده كله . وقيل : سميت بذلك لأن ليالي أيام البيض مقمرة ، ولم يزل القمر من غروب الشمس إلى طلوعها في الدنيا فتصير الليالي والأيام كلها بيضا . قوله : ( ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة ) كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني : ( صيام أيام البيض : ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر ) . وذلك باعتبار الأيام ، والأول باعتبار الليالي . فإن قلت : كيف عين الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من الشهر ؟ والحديث الذي ذكره في الباب ليس فيه التعيين لذلك ؟ قلت : جرت عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث ، وإن لم يكن على شرطه ، فقد روى القاضي يوسف بن إسماعيل في كتاب الصيام : حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا حسين بن علي عن زائدة بن قدامة عن حكيم بن جبير عن موسى بن طلحة ، قال : قال عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه لأبي ذر وعمار وأبي الدرداء ، رضي الله تعالى عنهم : ( أتذكرون يوما كنا مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بمكان كذا وكذا ، فأتاه رجل بأرنب ، فقال : يا رسول الله إني رأيت بها دما ، فأمر فأكلنا ولم يأكل ؟ قالوا : نعم . ثم قال له : ادنه فأطعم ! قال : إني صائم ، قال : أي صوم ؟ قال : صوم ثلاثة أيام من كل شهر ، أوله وآخره ، وكما تيسَّر علي فقال عمر ، رضي الله تعالى عنه : هل تدرون الذي أمر به رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا : نعم ، يصوم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة . قال عمر ، رضي الله تعالى عنه : هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . وحكيم بن جبير ضعفه الجمهور ، وموسى بن طلحة عن عمر مرسل ، قاله أبو زرعة ، وبينهما ابن الحوتكية . وأصل الحديث عند النسائي في كتاب الصيد وليس فيه ذكر لعمار وأبي الدرداء ، رواه من طريق حكيم بن جبير وعمرو بن عثمان ومحمد بن عبد الرحمن عن موسى بن طلحة ( عن ابن الحوتكية ، قال : قال عمر ، رضي الله تعالى عنه : من حاضرنا يوم القاحة قال أبو الدرداء . . . ) فذكر الحديث ، وفيه : ( قال : فأين أنت عن البيض الغر : ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة . . . ؟ ) وابن الحوتكية سماه بعضهم يزيد ، وقال ابن أبي حاتم في ( الجرح والتعديل ) : وما سماه أحد إلاَّ الحجاج بن أرطأة عن عثمان بن عبد الله بن موهب عن موسى بن طلحة عن يزيد بن الحوتكية . والقاحة ، بالقاف وتخفيف الحاء المهملة ، مكان من المدينة على ثلاث مراحل . وروى النسائي من رواية زيد بن أبي أنيسة عن أبي إسحاق عن جرير بن عبد الله ، رضي الله تعالى عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر ، وأيام البيض صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة ) . وإسناده صحيح ، وفي رواية : ( أيام البيض ) بغير واو ، وروي : ( أيام البيض صبيحة ) ، بالرفع فيهما ، وروى بالجر فيهما ، حكاه صاحب ( المفهم ) : وروى ابن